عفيف الدين التلمساني
276
شرح مواقف النفري
بأن تحتجب الصور عنه ، بل أن لا يرى غيره ، والصور قائمة ، فلا جرم قال : هل ترى غيري ؟ فقال : لا . وقوله انظر إليّ لا بمعنى إعراضك عن الصور ، بل العيان يشمل والكيان يتصل لا لأنه كان منفصلا فاتصل . قوله : « فنظرت إليه يخفض القسط ويرفعه » والقسط العدل . ثم قوله : « يتولى كل شيء بنفسه وحده » أي رأى الفعل هو فعله ، أعني أفعال الخلائق أجمعين . فالإنسان المحجوب ينسب الفعل إلى نفسه ، وصاحب هذا الشهود لا يرى ذلك . وفي هذا التصريح كفاية . قوله : ( وقال لي : لا تراني إلا بين يديّ وهو ذا تنصرف وترى غيري ولا تراني فإذا رأيته فلا تجحده واحفظ وصيتي فإنك إن ضيّعتها كفرت ، وإذا قال لك أنا مصدّقه فقد صدّقته وإذا قال لك هو فكذّبه فإني قد كذّبته ) . قلت : التنزل المذكور قبل هذا يقتضي الكشف لكون الواقف كان بين يديه . وأما هذا التنزل فيقول : لا تراني إلا بين يدي ، وهذا إخبار لا نهي ، ثم أخبره أنه الآن ينصرف من بين يديه وهو قوله : « وهو ذا ينصرف » ولفظة هو ذا لفظة عواقبه ، ثم أخبره بأدب الغيبة عنه إذ هو فيها يرى غيره ، ولذلك قال هو ذا ينصرف ، وترى غيري ولا تراني . والأدب المذكور هو قوله فإذا رأيته فلا تجحده وسبب المعصية هنا أنه ربما بقي على خاطر العبد بعد انصرافه من الحضرة الإلهية أنه ما كان رأى فيها غيره تعالى ، فبقي هذا على ذكره وإن كان هو الآن لا يعاين ذلك فنهاه أن يعتمد على ما بقي في ذكره من وقت الشهود ، بل إنما يحكم الحاضر وهو في الوقت الحاضر لا يرى الحق تعالى بل يرى السوى ، فلا جرم كان من أدب هذا المقام أن لا يجحد السوى فلذلك قال له : فإذا رأيته فلا تجحده وأكد عليه في حفظ هذه الوصية ، وهو أن يعتمد على العيان الحاضرون ما أبقاه الشهود في ذكره من نفي الأغيار ، فقال له : « إن ضيعتها كفرت » أي سترت وجه الحقيقة ، والكفر الستر ، ثم حقق له المعنى بقوله : « وإن قال لك أنا فصدقه » أي وافقه على ذلك ؛ لأن الوقت وقت حجاب ، فالغير من حيث هو غير إذا قال أنا في حالة الحجاب يصدق ، فإن حكم الحق تعالى فيه هو كذلك ، وإليه الإشارة في قوله : فقد صدقته قال : « وإذا قال لك هو » أي : وإذا قال لك السوى أنه هو أعني الحق فقد كذب فكذبه ؛ فإن حكم الحق تعالى فيه والحالة هذه التكذيب ،